يكتب الصحفي ديفيد هيرست تحليلًا سياسيًا واسع النطاق يرصد فيه التحولات العميقة التي أحدثتها الحرب على إيران في بنية القوة داخل الشرق الأوسط، معتبرًا أن فشل إخضاع طهران أنهى أو قوّض مشروعًا إسرائيليًا أوسع لإعادة تشكيل المنطقة تحت قيادة إسرائيلية موسعة النفوذ.
ينشر هذا المقال عبر موقع ميدل إيست آي الذي يقدم تحليلات معمقة حول السياسة الإقليمية والدولية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ويطرح قراءة نقدية للتغيرات الجيوسياسية الناتجة عن الصراعات الأخيرة، خصوصًا الحرب على إيران وتداعياتها على إسرائيل والولايات المتحدة ودول الخليج.
فشل الحرب على إيران وتفكك الرؤية الإسرائيلية الإقليمية
يركز التحليل على أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لم تنجح في تحقيق أهدافها الاستراتيجية، بل أدت إلى نتائج عكسية أعادت تشكيل ميزان القوى في المنطقة. فبدلًا من إضعاف إيران، خرجت طهران أكثر تماسكًا ونفوذًا، بينما واجهت إسرائيل تحديات سياسية وعسكرية ودبلوماسية غير مسبوقة.
ويشير الكاتب إلى أن المشروع الذي كان يسعى إلى إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط عبر اتفاقيات التطبيع، وفي مقدمتها “اتفاقيات أبراهام”، تلقى ضربة قوية بعد تراجع الدعم الأمريكي لهذا المسار تحت إدارة الرئيس دونالد ترامب. هذا التحول أدى إلى انهيار الرهان على “إسرائيل الكبرى” كقوة مركزية تقود النظام الإقليمي الجديد.
الولايات المتحدة بين التراجع الداخلي وإعادة الحسابات
يتناول المقال التحولات داخل الولايات المتحدة باعتبارها عنصرًا حاسمًا في تغيير مسار الحرب، حيث أدت تكاليف الصراع الاقتصادي وارتفاع أسعار الطاقة وتراجع الشعبية السياسية إلى دفع واشنطن نحو إعادة تقييم تدخلها العسكري. ويظهر ترامب في هذا السياق كفاعل سياسي اختار الانسحاب من مغامرة عسكرية لم تعد تحقق مكاسب سريعة أو واضحة.
كما يبرز التحليل انقسامًا متزايدًا داخل المؤسسة السياسية الأمريكية حول العلاقة مع إسرائيل، حيث بدأت أصوات داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي تشكك في جدوى الدعم غير المشروط لتل أبيب. هذا التحول يعكس تغيرًا أعمق في المزاج السياسي الأمريكي تجاه الصراعات في الشرق الأوسط.
صعود إيران وتآكل النفوذ الإسرائيلي في الإقليم
يبرز النص أن إيران خرجت من الحرب أكثر قوة على المستوى الاستراتيجي، إذ احتفظت بقدراتها النووية غير العسكرية، وطورت من قدراتها الصاروخية وشبكة حلفائها الإقليميين. كما عززت علاقاتها مع القوى غير النظامية في لبنان والمنطقة، ما منحها قدرة أكبر على التأثير في موازين الردع الإقليمي.
وفي المقابل، تواجه إسرائيل تراجعًا في صورتها كقوة عسكرية مهيمنة، خاصة بعد تصاعد الانتقادات الدولية للحرب في غزة وتزايد العزلة الدبلوماسية. ويشير التحليل إلى أن هذا التآكل في المكانة الإسرائيلية لا يرتبط فقط بالحرب على إيران، بل أيضًا بتداعيات العمليات العسكرية الممتدة في أكثر من ساحة إقليمية.
كما يسلط الضوء على التحولات داخل دول الخليج، حيث باتت الأنظمة هناك أكثر حذرًا في علاقتها مع واشنطن، في ظل إدراك متزايد لهشاشة الضمانات الأمنية الأمريكية، مقابل تنامي النفوذ الإيراني في ملفات حساسة مثل أمن الممرات البحرية.
الشرق الأوسط بين إعادة التوازن واستمرار الصراع
ينتهي التحليل إلى أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة تتسم بعدم اليقين وإعادة توزيع موازين القوة، حيث لم يعد أي طرف قادرًا على فرض هيمنة مطلقة. فإيران تملك أوراق ضغط استراتيجية، وإسرائيل تواجه حدود قوتها العسكرية والسياسية، والولايات المتحدة تعيد صياغة دورها العالمي بعيدًا عن التدخل المباشر المكلف.
ويرى الكاتب أن استمرار الصراع في غزة ولبنان وسوريا يعكس هشاشة النظام الإقليمي الحالي، مع احتمال تصاعد التوترات إذا استمرت السياسات التصعيدية. وفي هذا السياق، يصبح الشرق الأوسط ساحة مفتوحة لتوازنات جديدة تتشكل ببطء، بعيدًا عن المشاريع الكبرى التي كانت تهدف إلى إعادة هندسة المنطقة بشكل أحادي.
ويخلص التحليل إلى أن الحرب على إيران لم تغيّر فقط موازين القوى، بل كشفت حدود المشاريع التوسعية في المنطقة، وأعادت تعريف مفاهيم النفوذ والردع، في شرق أوسط يتجه نحو تعددية قسرية بدل الهيمنة المطلقة.
https://www.middleeasteye.net/opinion/trump-u-turn-iran-war-ended-israel-middle-east-dream

